الإعجاز العلمي في الإنسان
الإعجاز العلمي في الحيوان
الإعجاز العلمي في النبات
الإعجاز العلمي في الكون
الإعجاز العلمي في الأرض و البحار
الإعجاز العلمي في التشريعي
قسم المنوعات
قسم شبهات و فبركات
قسم هذا خلق الله
قسم أفكار الإعجاز
قسم مدرسة الإعجاز


website tracking software

website tracking software

 كتب : د. عمر لشكر

 بقسم :

من المُسلَّم به في عقيدة المسلم أن الحياة الدنيا، والكون كله بجميع موجوداته، وما في السماوات والأرض من سهول وجبال وأحجار وأغراس وعيون وبحار وأنهار وحشرات وحيوانات وطيور... مادة كونية عُظمى معروضة على الإنسان في الحياة للتأمل والتدبر والدراسة والبحث، لأجل إعمار الكون وتحضيره والانتفاع بما فيه وفق ما جاءت به نواميس الشرع من ضوابط وأحكام. وقد اجتهد علماء الغرب في البحث المادي منذ ما يزيد على خمسة قرون، من منطلق النظر العلمي المجرد، والتجربة الميدانية، فاعترف بعضهم بأن ما توصلوا إليه من كشوفات وحقائق يوافق في مجمله ما ورد في القرآن الكريم من إشارات علمية وقوانين كونية، ما نتج عنه إسلام طائفة منهم من أمثال موريس بوكاي Maurice Bucaille، وبرونو كدير دوني Bruno Guiderdoni، وبوكدان كوبانسكي Bogdan Kopanski، وإيفا دفتراي Eva Di Vetray، وغيرهم، حتى قال المرحوم الشيخ الشعراوي في حديث له : "يأخذون سفهاءنا ونأخذ علماءهم".

وعلى هذا يجب أن نركز في أنشطتنا الدعوية، والإرشادية على الجوانب العلمية في القرآن الكريم و السنة المطهرة، لا سيما في مناقشة البُرهانيين والوضعيين والملحدين والمتشككين، وحتى الشباب الذي من طبيعته ألا يتأثر سيكولوجيا إلا بما دل عليه العلم الحديث، وصدقته التجربة، ولم يتعارض مع مكتشفات البحث الميداني، ومن المعروف أن الحقائق العلمية المكتسبة تؤدي إلى الحقائق الروحية والإيمانية الثابتة. فكل العقائد التي تستند في حقيقتها إلى قوة العلم والبرهان، تكون مضمونة في عملية أداء التكاليف على الوجه الذي يؤدي إلى إعمار الكون بشكل إيجابي والمساهمة في تحضيره.

إن مهمة الدعوة والإرشاد الديني في هذا العصر لم تعد تكتفى بالتوجيهات الأخلاقية والأدبية والتفسيرية لتثبيت العقيدة في النفوس و فقط، فدرجة تعقد الحياة في جميع مناحيها تقتضي ممن أسندت لهم هذه المهمة االسامية أن يتحولوا بمكتسباتهم الشرعية والعلمية إلى "كيميائيين" لتحويل كل ما هو مادي محض إلى "روحي". فمن الضرر بالدعوة والإرشاد العملُ على تنفير الناس من ماديات الكون بخطابات ترهيبية بدل "ترويح" هذه الماديات التي لا يمكن أن ينفصل عنها الوجود الإنساني، وإن التحدي الأكبر الذي يواجه العاملين في الحقل الديني في العالم الإسلامي برمته هو وصل الإنسان المسلم بالكون وتربيته على حسن التعامل معه، وليس صرفه عنه وتسويده في نظره. فماديات الكون كلها موضوعة رهن إشارة الإنسان، ولا تكون متاع الغرور إلا حين يرفع مقامها فوق القيم، وتستبد به، وتبعده عن رسالته في الوجود، قال تعالى : "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا"(1)، وقال : "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"(2)، وقال : "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا" (3).

وإذا كان علماء الديانات الأخرى، لا سيما علماء الديانة المسيحية يوظفون معطيات العلم الحديث في أنشطتهم التفسيرية والتبشيرية والوعظية، ويشترطون على "دعاتهم" القدرة على "ترييض" الأنشطة الدينية (Mathématiser toutes les activités religieuses) وهندستها وصياغة قضايا الإيمان والعقيدة في معادلات جبرية (4)، فإننا نحن لازلنا دون المستوى المطلوب سواء من حيث امتلاك المعارف الشرعية العميقة، أو من حيث امتلاك الموارد العلمية المساعدة على الدعوة والإرشاد وتوظيفها التوظيف الصحيح لأجل تصحيح العقيدة التي يتوقف عليها تنظيم علاقة الإنسان بالنفس والمجتمع والكون، و إيصال الصورة الصحيحة للإسلام ونظامه وأحكامه وفلسفته إلى أعين و عقول المغرضين والحاقدين.

ويعد اليوم من الحكمة والصواب أن نطالب كل مشتغل بالشأن الديني، دعوة وإرشادا وتوجيها وتشريعا بأن يقوي علومه الشرعية بالضروري من مستجدات العلوم الحديثة من رياضيات وفلك ومنطق وطبيعيات ومناهج البحث وطرق الاستدلال، لأن العمل في الدين بالحكمة يقتضي هذه الموسوعية التي كانت سمة علماء الإسلام في القديم. فللناس أسئلة وشكوك وشبهات وإشكالات يتوقف تصورها وتوضيحها وإزالتها على المعرفة بدقائق العلم، أو على الأقل بأدوات البحث في مختلف مجالاته.

قال ابن رشد في الفصل الثالث "ضرورة النظر" من كتابه "فصل المقال" : "فقد تبين أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع إذ كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه، وإن من نهى عن النظر فيها فقد صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله، وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة" (5)، وعلى مذهب ابن رشد كثيرٌ من العلماء الذين يرون أن التفكير اللانهائي في الآفاق وفي خلق السموات والأرض وما يوجد فيهما من الكائنات الحية والجامدة يدخل في العلوم الشرعية. وإذا اشكك الإمام الغزالي في مصداقية علم من يجهل المنطق، فمن حقنا أن نتحفظ اليوم في علم من يجهل مبادئ وأساسيات ومقاصد العلوم الحديثة ومنافعها في الدعوة الإرشاد وضبط الأحكام والاجتهادات.

ولعل الفصل التعسفي بين العلوم الشرعية والعلوم البحتة في مدارسنا وجامعاتنا وتخصصاتنا، وحتى في حياتنا هو من عوامل وهننا، ومن أسباب تخلفنا الفكري والروحي، مما اعترض ولا زال يعترض كل محاولة إصلاح وارتقاء إلى معارج التقدم والازدهار. فالبعض يدعو إلى العلوم الشرعية فقط، والبعض الآخر ينادي بالعلوم الوضعية فقط، والحال أن الدين في التصور الإسلامي عِلْمٌ، والعلم دينٌ ويبقى إصلاح النية عند الطلب والنشر والتأليف والاجتهاد في البحث والإبداع والتحقيق والعمل في ضوء من الروح العام للتشريع الإسلامي ومقاصده.


للتواصل مع الكاتب: د. عمر لشكر ( باحث وكاتب في الفلسفة والعلوم الإسلامية - من علماء المغرب)

البريد الاليكترونى: dr.lachguer@hotmail.fr



المراجع :

(1) البقرة / 29. 
  (2) النحل / 16. 
  (3) الأعراف / 32. 
  (4) انظر : Stefan Themerson : le Cardinal pölätüo pp. 123-124
  وأيضا : Le chapitre IV « le rôle de la science dans la genèse » dans « la Genèse, les miracles et les prédictions » de Allan Kardec, p 84.
  (5) فصل المقال ص ص 28-29 دراسة وتحقيق محمد عمارة. 

 

روابط ذات صلة


أكثر مقال قراءة عن :

تقييم المقال

المعدل: 4.92
تصويتات: 13


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات

صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق