الإعجاز العلمي في الإنسان
الإعجاز العلمي في الحيوان
الإعجاز العلمي في النبات
الإعجاز العلمي في الكون
الإعجاز العلمي في الأرض و البحار
الإعجاز العلمي في التشريعي
قسم المنوعات
قسم شبهات و فبركات
قسم هذا خلق الله
قسم أفكار الإعجاز
قسم مدرسة الإعجاز


website tracking software

website tracking software

 كتب : د. عمر لشكر

 بقسم :

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب "الاعتصام" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة". (1)

قال الحافظ ابن حجر في شرحه " إن القرآن أعظم المعجزات وأفيدها وأدومها لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع به إلى آخر الدهر.(2) وإن أهم وسيلة لمعرفة صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم هي معرفة معجزته من خلال ما فيها من صور الإعجاز التي وقع بها أعظم تحد في تاريخ الكون والجن والبشر. قال تعالى : " وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين"َ البقرة23. (3).

وقد بدأ اهتمام العلماء والأدباء والمتكلمين بقضية "إعجاز القرآن" منذ فجر الإسلام بتعبير المرحوم أحمد أمين، ولعل أول من وضع فيه مؤلفا خاصا هو الجاحظ (ت 255 هـ) سماه "نظم القرآن"، وتبعه محمد بن يزيد الواسطي (ت306هـ) فصنف "إعجاز القرآن" ثم أبو عيسى الرماني (ت 382هـ)  فالخطابي أبو سليمان (ت385هـ)، فالباقلاني (403هـ). فالجرجاني (ت471هـ)... وما أنجز في هذه الفترة من دراسات وأبحاث في مجال الإعجاز، ووضع فيه من نظريات واجتهادات يشكل مرجعا لكل المحاولات التي جاءت فيما بعد. ولا زال البحث مستمرا فيه إلى الآن مع الاستفادة من المعطيات العلمية والثقافية والتقنية التي شهدها هذا العصر. ومن المعلوم أن البحث في "الإعجاز" لن ينتهي إلا بانتهاء الحياة في الكون، لأن قضاياه وأسراره وعجائبه أعظم من أن تحيط به القوة الدراكة للعقل البشري على تطورها وحركتها الصعودية وامتداد زمانها، فنقطة النهاية في الإعجاز لا تدخل تحت قدرة جميع الخلق من ملائكة وجن وإنس، لأنها مما ينفرد الله عز وجل بالإحاطة به، ونهاية الإعجاز إذن مقدور الواحد لا  مقدور قادرين مخلوقين محدثين. 

أولا : إعجاز القرآن : "الدلالة والمعنى".

أ- الإعجاز فـي اللغـة : 

هو فِعلان من العجز بمعنى عدم القدرة، وفعله الثلاثي عجز، يعجز، عجزا بمعنى ضعف، والرباعي: أعجز، يعجز بمعنى فاز بحيث لا يستطيع الخصم العاجز اللحاق به. والتعجيز التثبيط، وكذلك إذا نسبت الشخص إلى العجز(4). وإعجاز القرآن مركب إضافي مكون من مضاف ومضاف إليه، الكلمة الأولى منه مصدر وإضافتها للقرآن الكريم من باب إضافة المصدر لفاعله، فكأن التقدير هو : أعجز القرآن الناس على أن يأتوا بمثله، ومعنى هذا أن القرآن صار معجزا لهم حيث أوقع بهم العجز والضعف والقصور والانهزام والاستسلام. والمعجزات هي أفعال الله تعالى الخارجة عن العادة المطابقة لدعوى الأنبياء والرسل وتحديهم بالإتيان بمثل ذلك. (5) 

ب : في الاصطلاح التداولي : 

إعجاز القرآن في الاصطلاح المتداول هو عجز المخاطبين بالقرآن وقت نزوله ومن بعده إلى يوم القيامة من الإتيان بمثله مع تمكنهم من البيان وتملكهم لأسباب النظم والفصاحة والبلاغة وتوفر الدواعي واستمرار البواعث وانعدام الموانع. 

قال القاضي عبد الجبار : "ومعنى قولنا في القرآن الكريم أنه معجز هو أنه يتعذر على المتقدمين في الفصاحة فعل مثله في القدر الذي اختص به"اهـ.(6) 

وإذا تعذر على المتقدمين في الفصاحة والبلاغة فعل مثله، فمن باب أولى أن يتعذر على المتأخرين في الفصاحة والبلاغة والبيان كخواص الناس في أزمنة اللحن والركاكة والضعف اللغوي وانحطاط النظم وانعدام الذوق لأساليب الكتابة والتأليف. 

ومن الملاحظ أن مصطلح "إعجاز القرآن" لم يرد استعماله في القرآن ولا في السنة، ولم يكن متداولا في عهد النبوة والصحابة والتابعين، ولم يعرف إلا في أوائل القرن الثالث على وجه التقريب، لكن إذا كان مصطلح "إعجاز القرآن" غير وارد في القرآن فإن كلمة "عجز" ومشتقاتها من الألفاظ القرآنية المعروفة، وردت فيه نحو ست وعشرين مرة(7) أغلبها في معنى نفي القدرة للتعجيز عن المشركين. 

والإعجاز صفة واجبه للقرآن بحيث يستحيل زوالها عنه كالحرارة عن النار والبرودة عن الثلج، فهي من واجب وجوده، فحينما نقول :

"القرآن معجز" فإننا نحكم بضرورة ثبوت محمول القضية لموضوعها ما دام الموضوع موجودا. فالإعجاز إذن ثابت للقرآن ما دام القرآن موجودا. وما قرره فقهاء النحو من ضرورة انحصار المبتدأ في خبره، وضرورة كون الخبر النكرة مساويا أو اعم من المبتدأ ينطبق على مركب "القرآن معجز" بالمساواة فقط. فالخبر النكرة مساو للقرآن في وجوده، والمبتدأ منحصر فيه، ويترتب على هذا انه لا يوجد إعجاز خارج القرآن ولا يوجد قرآن خارج الإعجاز، فالقرآن يساوي الإعجاز في الوجود. والإعجاز يساوي القرآن في الوجود والبقاء والدوام. 

وإسناد الإعجاز إلى القرآن حق مقطوع به، قامت عليه البراهين، ودلت عليه الأدلة وصدقه العلم وأثبتته التجربة واتفق عليه الفلاسفة في الإلهيات وعلماء القرآن والشريعة والكلام، وعليه قامت عقيدة المسلمين وشريعتهم وحضارتهم.  

ثانيا : وجوه الإعجاز في القرآن الكريم. 

قال السيوطي: "لما ثبت كون القرآن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وجب الاهتمام بمعرفة وجه الإعجاز فيه"(8) وقال الشيخ محمد رضا : فالكلام في وجوه الإعجاز واجب شرعا، وهو من فروض الكفاية، وقد تكلم فيه المفسرون وبلغاء الأدب المتألقون، ووضع الإمام عبد القاهر الجرجاني مؤسس علم البلاغة كتابيه "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز" لإثبات ذلك بطريقة فنية(9). ومن المعلوم أن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ليست محصورة بعدد، لأنها تتنوع وتتجدد بتجدد مدارك العقل البشري في صيرورته التطورية، واكتشافاته في جميع المجالات العلمية والمعرفية، على أنني، رغبة في الاختصار الذي يقتضيه تدبير زمن العرض، سأركز على أوجه أربعة من الوجوه الإعجازية المعروفة على هذا الترتيب :

·        الإعجاز البلاغي.

·        الإعجاز التأثيري.

·        الإعجاز الغيبي.

·        الإعجاز العلمي. 

أ ـ الإعجاز البلاغي : 

إذا أطلق مصطلح "إعجاز القرآن" فالمقصود إعجازه البلاغي، لأنه الأصل الذي وقع به التحدي، والسمة المصاحبة له في كل ألفاظه وتراكيبه وآياته وسوره ومقاطعه وفواصله. ولا يرتبط هذا الإعجاز بحال المنزل عليه، ولا بحال المخاطبين ولا بمقولتي الزمان والمكان. وأما الوجوه الإعجازية الأخرى المعروفة فقد تحضر وتغيب، تحضر في آية ولا تحضر في آيات، وتجدها في سورة ولا تجدها في سور، فهي فيه مفرقة بحسب المواضيع والمناسبات والسياقات وأسباب النزول. 

وقد اشتغل العلماء والأدباء والمفكرون في القديم والحديث بالإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، فوقفوا على بعض ما فيه من تفننات إعجازية في البناء والنظم والتأليف، من خلال تنقلاته الرائعة والمدهشة من فن إلى فن، ومن موضع إلى آخر، ومن سياق إلى سياق بطرق متنوعة تجعل القارئ متحيرا في هذا النظم البديع الذي جمد مواهب البغاء والفصحاء، وأدهش علماء الكلام واللغة والنحو والبيان. فمن يجرؤ على إنكار ما في القرآن الكريم من أساليب وطرق إعجازية في الاعتراض والتذييل والتنظير والمقارعة وعرض الحجج والبراهين، وحكي السير والقصص والأخبار، وتنويع أساليب الأمر والنهي والإباحة وتشريع الأحكام، والتصرف البلاغي الحكيم في حكاية أقوال المحكي عنهم على ما يقتضيه أسلوب الإعجاز حتى لا يقع في القرآن حرف واحد ينافيه. 

قال أبو سليمان الخطابي : " إنما يقوم الكلام  بهذه الأشياء الثلاثة :

- لفظ حاصل.

- ومعنى به قائم.

- ورباط لهما ناظم. 

وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور فيه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح وأجزل وأعذب من ألفاظه، ولا نظما أحسن تأليفا من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل على أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم".(10)  

ومن الثابت في تاريخ العرب والإسلام أن العرب زمن النزول كانوا منصرفين عن الاشتغال برد التحدي وإبطاله، على حبهم للمغامرة والمخاطرة والمواجهة وامتلاك الوسائل اللسانية الضرورية، خصوصا وقد توفرت أسباب المعارضة من التسفيه والتقريع والتنقيص وطول المدة وانتفاء المانع. وما قولهم حسب ما حكاه عنهم القرآن "لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا" (الأنفال31) (11) إلا نوع عن التنفيس النفسي عن الشعور العميق بالضعف والعجز. فالمشكل ليس في "اللّو" وإنما في تجاوز"اللو " إلى الإنجاز الفعلي، وما أسهل أن يقول العاجز الضعيف : لو شئت لنسفت الجبل، أو لشربت ماء البحر، أو لهزمت الجيوش وحدي... ولو استطاع عرب الجاهلية معارضة القرآن لتركوا المواجهة والمكائد والأساليب الإرهابية لمنع انتشار الإسلام، واشتغلوا بالمعارضة إبطالا لسماويته، وبهذا الإبطال يسقط الإسلام سقوطا طبيعيا لانهيار معجزته بالمعارضة. ولا عبرة بقول النظام "إن نظم القرآن وحسن تأليفه ليس بمعجزة النبي صلى الله عليه وسلم ولا دلالة على صدقه في دعواه النبوة، وإنما وجه الدلالة منه على صدقة ما فيه من الأخبار عن الغيوب، فأما نظم القرآن، وحسن تأليف آياته فالعباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في التأليف".(12) لأن هذا القول الذي جرى وفق أطروحة بعض المعتزلة في إنكار الإعجاز البلاغي للقرآن، يبطل بأمور ثلاث :  

·  معارضته للواقع التاريخي، فلم يثبت أن أحدا من العرب أتى بمثل القرآن فضلا على ما هو أحسن منه.  

·  معارضته لمنطق الأشياء، إذ لو كان بإمكان العرب الإتيان بأفضل منه لما فوتوا على أنفسهم شرف إبطال هذا التحدي. وإذا احتجوا بأن المانع هو "الصرفة" لكان هذا أيضا إعجاز بل هو إعجاز في إعجاز.  

·  معارضته لما شهد وأقر به فصحاء العرب من أعداء الإسلام. أخرج الحاكم عن ابن عباس قال : جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنما رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه لئلا تأتي محمدا. قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك كأنك كاره له. قال : وماذا أقول ؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، لا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي نقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته(13)". ومع ذلك أشارت المصادر التاريخية إلى بعض المحاولات الباهتة لمعارضة القرآن قام بها بعض الكذابين والمغرورين ومدعي النبوة كمسيلمة الكذاب والنضر بن الحارث وعبهلة بن كعب العنسي والمتنبي وابن المقفع والمعري وغيرهم لكن لم يبق لما نسب لهؤلاء كثير لانصراف الناس عنه ونفورهم من ركاكته وتكلفه وتصنعه وتقعره وبعده عن سلاسة القرآن وروعة بديعة وبيانه.أما ابن المقفع فقد اعترف لأصحابه بعد ستة أشهر من المحاولة بأنه لم يفلح في أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن، فمزق ما وضع وألف وجمع واستحيا لنفسه من إظهاره، وأما المعري فقد اطلعنا على كتابه "الفصول والغايات" الذي زعموا أن المعارضة كانت به، فلم نجد فيما طبع منه ما يدل على ذلك، فكله نثر مسجوع في تمجيد الخالق ونشر المواعظ والحكم والعبر... 

وصفة الإعجاز في البلاغة والنظم والتأليف مما اختص به القرآن وانفرد به عن سائر الكتب والصحف السماوية. قال الباقلاني : "ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف، وإن كان معجزا فيما يتضمنه من الأخبار بالغيوب".(14) ومن المعلوم أن التحدي لم يقع بهذه الكتب من جهة نظمها كما وقع بالقرآن، وأن للمرسلين بها معجزات حسية أخرى تقوم مقام القرآن في حمل الحجة والبرهان على صدق رسالتهم. أما كتب الديانات الأرضية العتيقة ككتاب زرادشت وكتاب ماني والفيدا فليس في نظمها وتأليفها مما يعجز، وكل ما فيها من عبر ومواعظ وحكم وإشارات منقول من التجارب الحياتية والروحية والتأملات الفلسفية لصفوة الناس في الفكر والفلسفة والتصوف والتأمل... 

ب- الإعجاز التأثيري : 

التأثير في اللغة مأخوذ من الأثر وهو بقية الشيء والجمع آثار وأثور. وأثر فيه تأثيرا ترك فيه أثرا، وذو الآثار الأسود النهشلي لأنه إذا هجا قوما ترك فيهم آثارا.(15) وكل أثر يدل على وجود مؤثر سواء كان حسيا أو معنويا، والتأثير هو إبقاء الأثر في الشيء بفعل المؤثر بحيث يوجب انفعالا بهذا التأثير.  

والتأثير في مجال إعجاز القرآن يعني ما يتركه السماع أو التلاوة لآياته من أثر ظاهر أو باطن في الإنسان ولا يستطيع دفعه أو مقاومته. والإنسان في التعريف لفظ عام يدخل فيه المؤمن وغيره. وقد أشار إلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز بعض القدماء كأبي سليمان الخطابي وابن قتيبة وغيرهما. 

ونظرا للقوة التأثيرية للقرآن الكريم، أمر الله تعالى رسوله بإسماعه للمشركين كلما سمحت بذلك ظروف الدعوة، قال تعالى " وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ"( التوبة6).(16) 

وقد جاء في كتب التاريخ والسيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وظف هذه الوسيلة وأعطت نتائج غير بعضها مسار الدعوة ومنهجها. وكان المشركون على اختلاف طبقاتهم واعين بالقوة التأثيرية للقرآن، ويشعرون بضعف المقاومة لتأثيره. لذلك كانوا يتجنبون سماعه على سبيل الحذر والاحتياط و يتناصحون بعدم سماعه. قال تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ "(فصلت26).(17) 

مظاهر الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم : 

تمثل الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم في عدة مظاهر أهمها : 

- انقلاب أحوال بعض السامعين من الغفلة إلى اليقظة الإيمانية. 

وقع هذا العدد كثير من الغافلين الذين انقلبت أحوالهم فجأة بسماع آيات من القرآن الكريم بالقصد أو بمجرد الصدفة، مثل جعفر بن حرب المتوفى سنة 349 هـ. وكان يتقلد كبار الأعمال للسلطان، وكانت نعمته تقارب نعمة الوزراء، وحدث انه اجتاز يوما راكبا في مركب عظيم فسمع قارئا يقرأ  قوله تعالى : "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ "(الحديد16)(18) فقال: اللهم بلى، وكررها دفعات وبكى، ثم نزل عن دابته ونزع ثيابه ودخل إلى دجلة واستثر بالماء ولم يخرج حتى فرق جميع ماله في المظالم التي كانت عليه وردها وتصدق بالباقي، وانقطع إلى العلم والعبادة حتى مات.(19) وفي مراجعة كتب الزهد والتصوف وأحوال العابدين يجد الباحث حكايات عجيبة في هذا النوع وقعت لرجالات انقلبت أحوالهم من الفساد والفتنة والضلال بسماع آيات من القرآن إلى الطاعة والتوبة والصلاح، فأصبحوا عبادا وزهادا بعد الخروج من الغفلة. 

- الانتقال من حال الكفر والجحود إلى حال الإسلام والإيمان. 

أخرج البخاري عن جبير بن مطعم أنه قال : "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية، "أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون" كاد قلبي أن يطير". (20)  

قال الحافظ ابن جر نقلا عن الخطابي : كأنه انزعج بسماع هذه الآية لفهم معناها ومعرفته ما تضمنته، ففهم الحجة واستدركها بلطيف طبعه ثم قال : فلهذا انزعج جبير حتى كاد قلبه يطير ومال إلى الإسلام.1هـ (21) 

وثبت في تاريخ الإسلام أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحول من الكفر والجحود إلى الإسلام والإيمان بسماع آيات من القرآن الكريم تتلى في بيت أخته فاطمة. وحدث لطوائف من الجن أن أسلموا بسماع القرآن، قال تعالى : "وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ "(الأحقاف29) (22) وقال في سورة الجن : "قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً (الجن1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً". (الجن2)(23)

- التحول عن الرأي المعادي للإسلام. 

أشار أبو سليمان الخطابي إلى كثير ممن كانوا أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم وهموا بقتله فلما سمعوا آيات من القرآن لم يبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول وركنوا إلى مسالمته والدخول في دينه. (24)  

- الانبهار الداخلي مع البقاء على الكفر والشرك تعنتا. 

حدث هذا العدد من الكفار والمشركين مهم عتبة بن ربيعة الذي قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى : "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ" (فصلت13)(25) عند ذلك أمسك عتبة بيده على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم أن يكف. وإنه قام لا يدري بما يواجه قومه فلزم بيته حتى جاءه قومه فاعتذر لهم بقوله: "لقد كلمني بكلام والله ما سمعت أذناي مثله قبل...." (26) لكنه بقي على كفره حتى قتل في بدر. 

- الاستجابة الانفعالية عن التأثير بالبكاء : 

جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اِقرأ علي فقلت : أأقرأ عليك يا رسول الله وعليك أنزل؟ قال : نعم إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت هذه الآية : "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" (27) قال حسبك، فإذا عيناه تبكيان.(28) 

وروت الأخبار الصحيحة أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبكون بكاء اشتياق ومحبة وتعظيم وإجلال عند سماع آيات من القرآن الكريم في الصلاة أو غيرها، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم وشدة تأثرهم بالقرآن. وتحدث العلماء والمفسرون عن مبكأة العابدين، وهي الآية التي يقول فيها الله تعالى في سورة الجاثية : "أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ "(الجاثية21)(29) عن تميم الداري انه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردد إلى الصباح " سَاء مَا يَحْكُمُونَ"(30) وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول : يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت.(31)  

وذكرت كتب السيرة أن جعفر بن أبي طالب لما قرأ على النجاشي صدرا من "كهيعص" بكى النجاشي حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم.(32) وجاء في بعض الروايات أن إبليس نفسه بكى عندما سمع قوله تعالى : "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم".(33)  

وقبل أن أنهي الكلام في هذا الوجه من وجوه الإعجاز لا بد أن أشير إلى أن الإنسان منذ أن اخترع الكتابة الصوتية في أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد، وهو يكتب ويؤلف ويسجل ويجرب الصور التعبيرية في الحقيقة والمجاز وأنتج من روائع الفكر والبيان ما يشكل تراثا إنسانيا عظيما، لكن كل هذا الإنتاج على روعته وسموه لا يشبه القرآن في قوة التأثير، فمهما بلغت درجة الحلاوة في أنغامه وإيقاعاته واستعاراته وبديع بيانه فإن الأذن البشرية تمله عند كثرة السماع ويسأم اللسان بكثرة تلاوته خلافا للقرآن الكريم الذي لا تمل من سماعه حتى الجلاميذ الصم والجبال والكائنات الجمادية التي ليس لها روح ولا قلب ولا عاطفة ولا حياة انفعالية... 

ج- الإعجاز بما في القرآن من غيوب : 

الغيوب جمع غيب، وهو كل ما غاب عن الإنسان ولم تدركه حواسه، يقال :غاب عني الأمر غيبا وغيبة وغيبة وغيابا بمعنى لم أدركه بحواسي. وقوم غيب وغياب وغيب بالتحريك يعني غائبين. (34) 

ومعرفة ما غاب في العوالم والأكوان عن الصورة والحس والتمثل والتخيل دون أمارات وإشارات وأسماء وأدوات مما انفرد به الله عز وجل على القطع واليقين قال تعالي : "قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه"(النمل65).(35) 

وقد تضمن القرآن غيوبا في كثير من آياته وسوره، بعضها يتعلق بالماضي وبعضها بالحاضر وبعضها بالمستقبل. 

* غيوب الماضــي :  

توجد في القرآن الكريم أخبار وقصص وأحداث تتعلق بالأقوام والأمم السابقة على الإسلام، حكاها كما حدثت في الواقع التاريخي. قال السيوطي :"الرابع من أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب الذي قضى عمره في تعلم ذلك، ويورده صلى الله عليه وسلم على وجهه ويأتي به على نصه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب".(36) وهذه الأخبار المحكية في القرآن لا يخلو أمرها عند التفكر من أحد الاحتمالات الآتية :

-       إما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد عاش أحداثها ووقائعها فحكاها كما رآها.          

-       وإما أن يكون قرأها وعرفها من مصادر مكتوبة فنقلها ورواها كما هي في رسوم وسطور من سبقوه.

-       وإما أن يكون تلقاها شفاهة من الأحبار والرهبان وكتاب التواريخ ورواه القصص والحكايات والأخبار.                                                      

-       وإما أن تكون من علم الله الشامل المحيط بكل شيء مما كان ومما لم يكن ومما يكون فأنزلها عليه بالوحي للعظة والاعتبار والدعم النفسي... 

-       أما الاحتمال الأول فمردود بالواقع، لأن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم على الأرض مسبوق بعدم، وتاريخ ولادته مشهود، ولا يعقل أن يحكي من عنده أخبارا وأحداثا وقعت قبل ولادته بقرون كثيرة. قال تعالى : " وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ"(آل عمران44).(37) 

- أما الاحتمال الثاني فيبطله ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعرف الألسن والرسوم. قال تعالى : "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ "(العنكبوت48). (38) 

- أما الاحتمال الثالث فمردود بالتاريخ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعرف عنه في شبابه قبل البعثة أنه جلس لمعلم أو تلقى المعارف والأخبار عن عالم أو راهب أو حبر من الأحبار. قال تعالى : "وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ"(النحل103).(39) 

ولم يبق إلا الاحتمال الرابع، وهو أن ما في القرآن من أخبار وأحداث الأولين هو من علم الله أوحى به إلى رسوله عليه الصلاة والسلام فيدخل في الإعجاز الغيبي للقرآن الكريم. ولا زال العلم الحديث يفاجئنا من حين لآخر باكتشاف حقائق تاريخية من خلال الاشتغال بالحفريات ودراسة المواقع والآثار تؤكد واقعية ما حكاه القرآن من أخبار وأحداث. لكن هذا النوع من الإعجاز يشترك فيه القرآن مع سائر الكتب السماوية. قال الباقلاني : "فإن قيل : فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز وجل معجزة كالتوراة والإنجيل والصحف ؟ قيل ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار بالغيوب"(40). 

* غيوب الحاضــر 

ونقصد بالحاضر زمن الرسالة الممتد من البعثة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين 12 ربيع الأول سنة 11هـ. وفي القرآن مما يتعلق بغيوب هذه المرحلة طائفة، منها الإخبار بالفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده. قال تعالى : "إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ..... "(النصر1)"(41) و"إذا" لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة.(42) قال المفسرون : الإخبار بفتح مكة قبل وقوعه إخبار بالغيب، فهو من أظهر الدلائل على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.  

ومن ذلك أيضا إخبار القرآن بأن أبا لهب لن يدخل إلى الإسلام أبدا، قال تعالى : "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ.... "(المسد1)(43) ولم يستطع أبو لهب إثبات عكس ما أخبر به القرآن في شأنه على الرغم من أنه مولع بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين نزول الآية وموته ما يقرب من عشر سنوات، وهي مدة طويلة للتفكير في الإسلام وإبطال الخبر الغيبي الذي جاء به القرآن، فكيف لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يعلم أن أبا لهب سوف يثبت على شركه ويموت عليه إن لم يكن بوحي من الله ؟ وكيف يمكن للرسول أن يتحدى بأمر قابل منطقيا للحدوث لولا أنه من غيب القرآن الذي يفيد القطع واليقين ؟ ... 

* غيوب المستقبل :  

من أنواع الغيوب الواردة في القرآن الكريم، الإخبار بأحداث ستقع في المستقبل فوقعت كما أخبر بها. والأمثلة على ذلك كثيرة، سأكتفي بواحد منها باعتباره من اليقينيات الكبرى التي يحمل همها كل مسلم، وهو الإخبار بأن اليهود هم أشد الناس عداوة للمسلمين، قال تعالى : "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.....ْ "(المائدة82)(44) وهذه العداوة مستمرة إلى وقتنا الحاضر، فأشد الأقوام كرها للمسلمين هم اليهود.  

وهذا تحد عظيم لأن اليهود لديهم الفرصة كأبي لهب لهدم الإسلام ومعجزته القرآنية بإثبات عكس ما جاء في شأن علاقتهم بالمسلمين، يكفي أن يعاملوا المسلمين معاملة طيبة صادقة ليقع تكذيب القرآن. وقد مرت الآن على هذا الإخبار قرون كثيرة ولم يحدث من اليهود في حق المسلمين إلا ما أخبر به القرآن الكريم، ما يدل على أن هذا من الإعجاز الغيبي لمعجزة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد اهتم بعض العلماء، لا سيما المستشرقين كالدكتور ميلر بدراسة ما في القرآن من غيوب من منطلق البحث المادي، وأصول المنطق والتاريخ فلم يجدوا إلا تصديقات وتأكيدات ومعجزات باهرة، وإذا وازنا بين ما جاء في القرآن من قصص وأخبار وأحداث بما جاء في الكتب السماوية السابقة على الإسلام نجدها متشابهة في الموضوع، فكلها تدور حول أخبار الأنبياء والرسل والأحداث المرتبطة بأقوامهم، وقصة الخلق والطوفان وميلاد عيسى عليه السلام وخروج بني إسرائيل من مصر... وكل هذه الأخبار صادقة لصدورها من علام الغيوب، مع الإشارة إلى أن صفة الصدق لا تنطبق إلا على ما جاء في الكتب السماوية الأصلية، وأما الموضوعة والمحرفة والمتداولة حاليا، فما فيها من حكايات وروايات وأخبار عبارة عن إنشاءات الأحبار والرهبان والقساوسة، لذلك يعتريه ما يعتري كل إنتاج بشري من نقص وخلل وقابلية للوهم والغلط.  

* الإعجاز العلمــي :  

الإعجاز العلمي موضوع اختلف فيه العلماء والمفكرون بين القبول والمعارضة، بين الإفراط والتفريط، بين الأخذ والرد. وهو علم تحت الصنع كما يقال، رأى النور في القرن الماضي وإن كانت بداياته في القرن السابع عشر بكتاب "الجهور الفرد" للشيخ بهاء الدين العاملي (ت 1622هـ)، وشهد تطورا ملحوظا في السنوات الأخيرة، أججه بالاندفاع تقدم المعرفة البشرية في العلوم والتكنولوجيا والنزعة إلى عقلنة الأنشطة الدعوية والدفاعية في مجال العمل الإسلامي ودعم المواقف الحركية للدعاة والمرشدين والعاملين في الشأن الديني، فظهرت فيه مؤلفات ودراسات ومقالات وكتب، وألقيت فيه عروض ومحاضرات ودروس تنظيرية وتحليلية، وتكونت لأجله جمعيات وفرق بحثية تتبع قضاياه ومستجداته وتعقد مؤتمرات ولقاءات محلية ودولية لعرض ومناقشة ما جد فيه من كشوفات.  

والمقصود بالإعجاز العلمي ما ورد في القرآن الكريم من أوصاف وإشارات لبعض الحقائق الكونية التي لم يكن الإنسان قد اكتشفها مطابقا لما اكتشفه العلم الحديث بأدواته العصرية ومناهجه وضوابطه.  

و بالرغم من كل ما قدمه الإعجاز العلمي من نجاحات واضحة، الا أنه ينبغي عدم المغالاة في "الإعجاز العلمي" بالتعسف في التأويل لإلصاق كل نظرية أو حقيقة علمية تم اكتشافها بآية في القرآن الكريم ؛ لأن هذا يضر بالعقيدة أكثر مما ينفعها. فحقائق العلم نسبية ومتحركة، وحقائق القرآن ثابتة نهائية ومطلقة، فماذا نفعل بالتأويلات المتكلفة للبحث عن المطابقة إذا ثبت بطلان ما كان يعتبر حقيقة علمية ؟ وحتى عند ثبوت المطابقة النهائية فينبغي أن نعلم أن ذلك ليس رافعا لشأن وشرف القرآن الكريم، بل هو رافع لشأن البشر بهدايتهم إلي الدين الحق, دين المعجزات, دين الإسلام, و ايضا هو رافع لشان العلم البشري، لأنه لا يصح أن يتشرف الكامل بالناقص، والإلهي بالإنساني، ولا أن يتقوى الأسمى بالأدنى ولا أن يثبت اليقيني بالظني... وأهم ما في القرآن الكريم من "إعجاز علمي" هو الدعوة إلى النظر في الكون لاستنباط سننه وقوانينه لأجل الاهتداء بها إلى الإيمان بالخالق. وقد تكررت هذه الدعوة مئات المرات في سور مختلفة لحث الإنسان على التفكير في نفسه أولا، ثم في الأرض التي يعمرها وفي الطبيعة التي تحيط به وفي الماء الذي يحيا به، وفي الفلك والسماوات، والنبات والحشرات والحيوان، والجبال والبحار والرياح، والأجنة وطبقات الأرض والجو والذرة... 

ثالثا : خلاصــات: 

·     إن الإعجاز بجميع الوجوه المتفق عليها داخل في ماهية القرآن، فلا يكون القرآن قرآنا إلا به، والبحث في وجوه الإعجاز واجب كفائي داخل في العلوم الشرعية التي تقتضي الصرامة والدقة في المنهج لارتباط نتائجها بالعقيدة.  

·     إعجاز القرآن موجود وجودا حقيقيا حاصلا بحسب نفسه، غير قائم على افتراض مفترض نص عليه القرآن وأثبته الواقع وأكدته علوم الناس وأبحاثهم في الكون والإنسان والحياة.  

·     من الحكمة توظيف معطيات الإعجاز في الدعوة والإرشاد والتوجيه توظيفا صحيحا لأجل دعم العقيدة التي يتوقف عليها تنظيم علاقة الإنسان بالنفس والمجتمع والكون وخالقه... وإيصال الصورة الصحيحة للإسلام ونظامه وأحكامه وأصوله ومقاصده إلى قلوب وعقول المغرضين والحاقدين.  

·     لقد اجتهد علماء الغرب في البحث المادي منذ ما يزيد على خمسة قرون من منطلق النظر العلمي المجرد، والتجربة الميدانية واعترف بعضهم بأن طائفة مما توصلوا إليه من حقائق وكشوفات توافق ما ورد في القرآن الكريم من إشارات علمية وقوانين كونية ما نتج عنه إسلام بعضهم من أمثال Maurice Bucaille و Boruno Guiderdoni و Bogdan Kopanski و Eva Di Vertray وغيرهم، حتى قال المرحوم الشعراوي في حديث له : "يأخذون سفهاءنا ونأخذ علماءهم".  

·     إن إدراك وجوه الإعجاز في القرآن الكريم لا يقوم فقط على معرفة وعلم وأقيسة ومناهج النظر والاستدلال، بل لا بد من جهود وجدانية وتأملات داخلية واستغراقات في الذات والكون والعوالم الممتدة، وبعبارة أخرى يجب الجمع بين البحث النظري وطريق التأمل الاستغراقي في الدراسات الإعجازية، فقد ينكشف بالتأمل ما لا ينكشف بالبحث والنظر.

 

للتواصل مع الكاتب: د. عمر لشكر ( باحث وكاتب في الفلسفة والعلوم الإسلامية - من علماء المغرب)

البريد الاليكترونى: dr.lachguer@hotmail.fr



المراجع :

(1)          ح 7274.

(2)          فتح الباري ج 13 ص 248.

(3)          سورة البقرة، الآيتان 22-23.

(4)          ابن منظور : لسان العرب ج 5 ص 369. 

(5)          معجم الباقلاني ص 297. 

(6)          المغني في أبواب التوحيد والعدل ج 16 ص 266.

(7)          انظر محمد فؤاد عبد الباقي : المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ص 567.

(8)          الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 118.

(9)          انظر مقدمة الطبعة الثانية لكتاب الرافعي "إعجاز القرآن والبلاغة النبوية".

(10)     بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 27.

(11)     قال تعالى : "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ "(الأنفال31) سورة الأنفال الآية 31.

(12)     تفلا عن البغدادي : الفرق بين الفرق ص 143.

(13)     السيوطي : الإتقان ج 2 ص 117.

(14)     إعجاز القرآن ص 54.

(15)     انظر الفيروز بادي : القاموس المحيط ج 1 ص 375.

(16)     سورة التوبة، الآية 6.

(17)     سورة فصلت، الآية 25.

(18)     سورة الحديد الآية 15.

(19)     ابن الجوزي : المنتظم ص 89.

(20)     الحافظ ابن حجر : فتح الباري ج 8 ص 603.

(21)     ن.م.ص.

(22)     سورة الأحقاف، الآية 28.

(23)     سورة الجن، الآيتان 1-2.

(24)     ثلاث رسائل في إعجاز القرآن ص 70.

(25)     فصلت، الآية 12.

(26)     السيوطي : الدر المنثور ج 7 ص ص 310-311.

(27)     الآية 41.

(28)     الزمخشري : الكشاف ج 1 ص ص 527-528.

(29)     الآية 20.

(30)     الزمخشري : الكشاف ج 3 ص 512.

(31)     ن.م.ص.

(32)     المباركفوري : الرحيق المختوم ص 84.               

(33)     انظر تفسير الطبري ج 6 ص 63.

(34)     انظر الفيروزبادي : القاموس المحيط ج 1 ص 116.

(35)     سورة النمل الآية 67.

(36)     الإتقان ج 2 ص 122.

(37)     سورة آل عمران، الآية 44.

(38)     سورة العنكبوت، الآية 48.

(39)     سورة النحل، الآية 103.

(40)     إعجاز القرآن ص 54.

(41)     سورة النصر، الآيات 1-2-3.

(42)     الزمخشري : الكشاف ج. 4 ص 292.

(43)     سورة المسد.

(44)     سورة المائدة، الآية 84.

 

روابط ذات صلة


أكثر مقال قراءة عن :

تقييم المقال

المعدل: 4.53
تصويتات: 32


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

خيارات

صفحة للطباعة
أرسل هذا المقال لصديق